ابن كثير
446
معجزات النبي ص
أيضا ، كما تقدم بسط ذلك كله ، ولا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيه ، أعجب من صدور ذلك من الجبال ، لما فيها من التجاويف والكهوف ، فإنها وما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا ، كما قال عبد اللّه بن الزبير : ككان إذا خطب - وهو أمير المدينة بالحرم الشريف - تجاوبه الجبال ، أبو قبيس وزرود ، ولكن من غير تسبيح ، فإن ذلك من معجزات داود عليه السلام . ومع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأبى بكر وعمر وعثمان ، وأعجب ، وأما أكل داود من كسب يده ، فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يأكل من كسبه أيضا ، كما كان يرعى غنام لأهل مكة على قراريط . وقال : وما من نبي إلا وقد رعى الغنم . وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة ، وقال اللّه تعالى : قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ( 9 ) « 1 » إلى قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ « 2 » أي للتكسب والتجارة طلبا للربح الحلال ، ثم لما شرع اللّه الجهاد بالمدينة ، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله ، ومما أفاء اللّه عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره ، كما جاء في المسند والترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحى ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم ،
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآيات : 7 - 9 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 20 .